تحولات القوة في اليمن تفتح الباب أمام إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي وتفرض على دول الخليج البحث عن خيارات جديدة
بقلم: محمد سعد عبد اللطيف
لم تعد التطورات المتسارعة في اليمن مجرد فصل جديد من فصول الصراع الذي طال أمده، فالمشهد هذه المرة يذهب إلى ما هو أبعد من حدود اليمن، ويطرح سؤالا استراتيجيا يمس أمن الخليج والبحر الأحمر ومستقبل التحالفات في المنطقة
السؤال ببساطة هو
ماذا يحدث عندما تتغير قواعد الأمن التي حكمت المنطقة لعقود؟
فالمشهد اليمني كشف أن طبيعة الحرب نفسها تتغير، وأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد وحده قادرا على ضمان الأمن، في ظل صعود الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب السيبرانية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في عمليات الرصد والخداع والاستهداف
لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات وحاملات الطائرات
هناك معادلة جديدة تقوم على سرعة الحركة والمفاجأة والاستنزاف وضرب نقاط الضعف، وهو ما يمنح جماعات مسلحة قادرة على إحداث تأثير يتجاوز كثيرا حجمها الاقتصادي والعسكري
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل المشهد اليمني
امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القوة
فالقدرات العسكرية تحتاج إلى دولة ومؤسسات وقرار سياسي وإرادة قادرة على تحويل الإمكانات إلى فعل حقيقي على الأرض
ومن هنا فإن ما جرى في اليمن لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة داخلية فقط
إنه اختبار لمنظومة الأمن الإقليمي بأكملها
فالسعودية تواجه تهديدات من الجنوب، بينما تتشابك الملفات من اليمن والعراق إلى إيران والبحر الأحمر، في منطقة أصبحت فيها الحدود السياسية أقل قدرة على عزل الصراعات عن بعضها
وفي قلب هذا المشهد تظهر الولايات المتحدة
الحليف التقليدي لدول الخليج
لكن السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة يتعلق بطبيعة الدور الأمريكي وحدوده
هل ما زالت واشنطن تنظر إلى أمن حلفائها باعتباره جزءا من أمنها الاستراتيجي المباشر أم أن الأولوية أصبحت حماية المصالح الأمريكية وطرق الملاحة ومنع تهديد القوات والسفن الأمريكية
الفرق بين الأمرين كبير
لأن دول المنطقة عندما تعتمد لعقود على مظلة أمنية خارجية فإن أي تغير في حسابات القوة الكبرى يفرض عليها إعادة النظر في منظومة أمنها
وهذا لا يعني بالضرورة نهاية التحالف الأمريكي الخليجي
لكنه يعني أن الاعتماد على طرف واحد لم يعد كافيا في عالم يتغير بسرعة
ولهذا بدأت دول المنطقة في توسيع خياراتها
علاقات مع تركيا
وتعاون مع باكستان
واتصالات مع إيران
ووساطات تقوم بها سلطنة عمان
مع استمرار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة
المعادلة الجديدة لا تقوم بالضرورة على اختيار حليف ضد آخر
بل على امتلاك أكثر من ورقة في عالم أصبحت فيه التحالفات أكثر مرونة وأقل ثباتا مما كانت عليه في السابق
وفي المقابل يبرز الحديث عن الدور الإسرائيلي
وهنا يجب التمييز بين التعاون الأمني المحتمل وبين الموقف السياسي من القضية الفلسطينية
فأي ترتيبات أمنية لا تعني تلقائيا تغير المواقف السياسية للدول العربية، كما أن المخاطر الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة وفقا لمصالح طرف واحد
الخليج يحتاج إلى الأمن
لكن الأمن لا يبنى فقط بشراء أحدث الأسلحة
ولا يتحقق بمجرد وجود قواعد عسكرية أجنبية
الأمن الحقيقي يحتاج إلى بناء قدرات وطنية وإقليمية قادرة على التعامل مع طبيعة الحروب الجديدة
من حماية المجال الجوي إلى أمن الملاحة
ومن الدفاع السيبراني إلى مواجهة الطائرات المسيرة
ومن تبادل المعلومات إلى تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المحلية
والأهم من ذلك كله بناء منظومة سياسية قادرة على معالجة أسباب الصراعات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة
لأن المال والسلاح يمكن أن يصنعا قدرة
لكن القدرة وحدها لا تصنع الأمن
وما يحدث في اليمن يثبت أن الدول والجماعات التي تستطيع امتلاك المبادرة والمفاجأة قد تحقق تأثيرا يفوق كثيرا حجم مواردها
وهنا يصبح البحر الأحمر جزءا أساسيا من معادلة الأمن الخليجي
فباب المندب ليس مجرد ممر بحري
إنه نقطة استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة وتربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط
ولهذا فإن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر
وأمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن مصر
ولا يمكن التعامل مع هذه المساحات الجغرافية باعتبارها ملفات منفصلة
إنها شبكة واحدة من المصالح والممرات والمخاطر
والمرحلة المقبلة تفرض على الدول العربية التفكير في منظومة أمن مختلفة
لا تعني القطيعة مع الولايات المتحدة
ولا تعني الدخول في مواجهة مع القوى الإقليمية
ولكنها تعني امتلاك قرار أكثر استقلالا وتنويع مصادر القوة والتحالفات وعدم ترك مستقبل الأمن العربي رهينة لتغير حسابات القوى الكبرى
لقد تغيرت طبيعة الحرب
وتغيرت أدوات الصراع
وتغير مفهوم القوة
والسؤال لم يعد فقط من يمتلك السلاح الأكثر تطورا
بل من يستطيع استخدام قدراته في الوقت المناسب ومن يمتلك القدرة على حماية قراره ومصالحه عندما تتغير الظروف
ومن هنا فإن اليمن يقدم رسالة تتجاوز جغرافيته
رسالة تقول إن قواعد الأمن القديمة لم تعد كما كانت
وأن الخليج والبحر الأحمر يقفان أمام مرحلة جديدة
مرحلة لن يكون فيها الأمن مجرد مظلة تأتي من الخارج
بل منظومة متكاملة تبدأ من الداخل وتمتد إلى المحيط الإقليمي
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية